سميح عاطف الزين

147

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

وعاش أهل مكة أجواء القلق والخوف ، فهم وإن كانوا أهل قتال ، إلّا أنهم لا قبل لهم بهذا الجيش الذي قد لا يترك حجرا ولا مدرا إلا هدمه ، ولا يدع شيخا ولا ولدا إلا قتله . . وأصرّ أبرهة الأشرم على ضلاله وعناده ، فعبّأ جنده ، وركب فيله يريد دخول مكة ووجهته الكعبة - أعزّها اللّه تعالى - فإذا بالفيل يبرك في محله ، ويمتنع على الجنود أن يحرّكوه من مكانه رغم السياط التي ألهبوا جسمه بها . . وحار أبرهة فنزل عن ظهر الفيل ، فقام هذا الحيوان الأعجم يدير وجهه نحو اليمن ، ويهمّ بالهرب . . وفيما كان جنود أبرهة يحاولون معالجة أمر الفيل ، وهو ممتنع عليهم ، إذا بالمفاجأة تحلّ : فها هي جماعات من الطيور ، تأتي من أماكن لا يعرفها إلّا اللّه تعالى ، وكأنها السحاب المتقطّع ، حتى تملأ الجوّ فوق ذلك الجيش الغازي ، ثم ترميهم بحجارة صغيرة مثل العدس أو الحمص فلا يصل الحجر إلى رأس الجندي أو إلى أي عضو في بدنه إلّا خرقه . ويسيل القيح على الفور من موضعه ، ويبدأ لحمه يهترىء حتى يتمزق عن جسمه كما يتمزق ورق الشجر حين يجفّ . . إنه الموت الزؤام قد حلّ بجيش أبرهة على تلك الشاكلة . فراح جنوده يتساقطون واحدا تلو الآخر ، وهم يهربون متفرقين أشتاتا ، يريدون العودة إلى بلادهم ، والبلاء يلاحقهم ويفتك بهم ، فلا يذر أحدا منهم . . وقد تحامل أبرهة على آلامه وقدّر أنه بوصوله إلى صنعاء يمكن أن يتداوى وينجو ، ولكن من أين له ذلك وربّ السماء فوقه يرقبه من عليائه ، فيذيقه طعم العذاب في الدنيا قبل الآخرة . وما إن وصل إلى دياره حتى أصبح لحمه قد تمزّق ، ووقع صريعا بلا حراك . . فإلى جهنم وبئس المصير .